غير المسلمين على خط التطور والتقدم

اتفق لعزير عليه السلام أن مر على ضاحية من ضواحي القدس، ولما وقع بصره على القرية المدمرة راودته فكرة:  هل بالإمكان أن تعود القرية إلى نشاطها وحيويتها؟ وهل قاطنو القرية، الذين أضحوا اليوم كأمس الدابر، يستعيدون حياتهم من هذه القرية؟وأسند ظهره إلى الأرض وهو تائه في هذه الفكرة  فباغته النوم  الذي امتد إلى مائة عام ، وبعثه الله بعدها فقال: وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وإذا تبحر الإنسان في علم الكون أضاء في داخله عالم من الإيمان والإيقان وتجلى القلب نوراً كما قال تعالى : وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا

إن الخروج من الظلمات ، والتحرر من براثن الحزن والسآمة، وتولي زمام العالم، وإنارة القلب والعقل بالحكم الربانية ، وتفهم النظام الرباني ، كل هذه تدفعك إلى تدبر كل ذرة من صحيفة الكون. والقرآن الكريم يتضمن تفاصيل كل جزء فهو صحيفة سماوية تحمل إلى كل أمة رسالة الحياة ، جامع للحياة الإنسانية .فهذه الوثيقة تهدي إلى طرق تكفل للسائر عليها تحويل الذل عزاً والهزيمة انتصاراً ، والضعف قوة، والشظف رخاء، والتفرق وحدة. وإن قانون الله سبحانه وتعالى شامل لكل شيء وجامع لكل أحد فكما يستطيع الإنسان تحضير مادة معينة من وصفة معينة كذلك يستطيع وضع أنملته على هدف مخصوص بعد التروي في صحيفة الهداية.

ومما يحز في النفوس أن المسلم تخلى عن منهج التفكير وأطره على الأساس العقلي والشعري والفكري والجبلي، فاضطر إلى إنتاج طريق تختنق فيه قنوات التفكير والتدبر. وأي طائفة مخصوصة من المسلمين جعلوا إقامتهم على درب متعرج غير معبد لا هدف له إلا الحفاظ على حياتهم فحسب بينما الصحيفة السماوية تستحثنا على الاستفادة من الخزائن المدفونة في جوف الأرض والكنوز المكمونة في قيعان البحر ، وتأمرنا وتلقننا كيفية استخراج ما تكتنفه الجبال من المعادن الغالية ، ولكننا بدورنا بقينا ساكنين.

لقد امتدت رقعة الران على قلوبنا ، وانسدت مسامعنا ، وأرخيت الأغشية الكثيفة على شاشات أعيننا ، وجرياً على هذا أصبحت الأمة التي تولت أمانة تسخير الكون صفر اليدين خاوية الدماغ. وإن غيرنا من خلق الله تعالى لما اهتموا بالتدبر في المبادئ والقوانين المذكورة في هذه الصحيفة ظفروا بالكرامة واحتلوا المكانة المرموقة الرفيعة في حقول العلوم والمهن فهم يحلقون اليوم في الجو ، وتمخر سفنهم وبوارجهم عباب البحار ، ويبدو وكأنهم يتحكمون في الرياح ، وكأن الأنهار والبحار خاضعة لهم، وكأن الكنوز الكائنة في جوف الأرض رهينة بإشارتهم.

ولقد تعودنا اليوم الإصغاء إلى صوت يأتينا من آلاف الأميال في أقل الكسور الزمنية، وكل هذا وذاك يرجع إلى أن الأمم غير الإسلامية ألزمت أنفسها معرفة السرالمكمون في خلق كل شيء يوجد في هذا الكون والتدبر فيه ، فهم ليسوا بغافلين عن العلم الإبداعي ولذلك أضحى التطور تحت سيطرتهم المطبقة. ويالها من مأساة أن غيرنا هم أمناء كل التطور وبقينا بحيث أصبح كل دمار وذل وفضيحة شعاراً وعلامة لنا. لم كل هذا؟ لأن الناطقين باسم الإسلام والطبقة المستنيرة من المسلمين قد وضعوا في أعناق الوعي والفكر سلاسل وأغلالاً تحقيقا لمصالحهم الخاصة .

ولقد خاطب الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ  وقال : أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وإلى السماء كيف رفعت * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ


سورة البقرة: الآية 259

سورة الأنفال: الآية 2

سورة العنكبوت: الآية 20

سورة الغاشية: الآيات 17-21

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: