الدجى المحدقة بالأرض

إن تاريخ الكائن البشري يبرهن لنا بكل وضوح وجلاء على أن الأمم الموجودة على جديد الأرض لم تفز بالحكمة والتنور ، اللهم إلا كل أمة عاكفة على تدبر آيات الله تعالى الباهرات. ولا يعتلي عرش الملك في هذه الدنيا إلا من استخدم ما وهبه الله تعالى من الذكاء والفطنة ودجج نفسه بسلاح العقل والإدراك والعلم والحلم . فهل فكر أحد منا من يأتي بالماء المعين إذا نضبت وغارت الينابيع المتفجرة من جوف الأرض؟

ومن يرجع إليه الفضل في إيجاد بهرجة الفضاء ، والأنوار الكفيلة باستمرارية الحياة ، والصنوف التي لا تعد ولا تحصى من الغازات والهالات من النجوم والكواكب على رداء السماء الزرقاء ، والقمر المنير على جبين الليالي الدهماء ، والشمس التي تجلي من النهار محياه ، وهبوب النسيم العليل ، وتسبيح الأشجار، وتغريد الأطيار، ونشيج الهزارات و وقوقة الوقواق . وهل لنا أي ضلع ولو في واحد من هذه الأشياء؟ وإذا ما تفككت عرى النظام الذي يربط هذه الأشياء جميعاً فهل بمتناول أيدينا أداة تعيد ذلك النظام إلى ما كان عليه؟

وإذا ما اعترفنا بخوائنا الفكري قائلين بأن جميع هذه الأشياء إنما هي عبارة عن المجد والجلال فهل يمكننا التغاضي عما يحفل به هيكلنا البدني من الآيات التي لا يحصرها العد؟

!فهل من مدكر

فهل من مدكر يرخي أزمة تفكيره في نبات الشعر على أدمة الجسم ، وفي امتلاء وجه الرجل باللحية الكثة وتعري وجه المرأة عن الشعر ونعومته؟ فأي مبرر لكل هذا وذاك؟ وهلا نستبصر آية في هذا النظام؟

فالوجه الملتحي من محاسن الرجال والوجه الناعم الأملس من محاسن المرأة ، فالشعر الذي ينبت على وجه الرجل لا ينبت على وجه المرأة لأن كثافتها الدموية تعمل بموجب نظام خاص أي أن خروج الشعر إنما هو تابع لكثافة الدم. فمما يجدر الانتهاء إليه والتفكر فيه كيف قامت الطبيعة بتحويل ماهية تلك الكثافة إلى شعرات وإنباتها على الوجه والرأس والبدن.

وإذا نقبنا في جهاز العين أدركنا بكل عجب أن هناك ألوفاً من العضلات ركبت كأدوات وآلات تصوير بالعين ، وإذا أمعنا النظر فيما يقوم به الدماغ من الوظائف رأينا ببصيرتنا أن الدماغ يحوي بلايين الخلايا ، وكل خلية منها تمثل حساً في الإنسان ،وهذه الخلايا هي التي تنير نبراس الفكر والإدراك.

وإن الجهاز القلبي المعقد يمارس أعماله تمشياً مع خطة مدروسة ونظام موزون ، والقلب بمثابة محرك لإبقاء الخلايا في حركة متواصلة وتشغيل هذا المحرك لا يفتقر إلى إدارة الإنسان.

وهل فكرت ولو مرة كيف نموت في زنزانة مظلمة في بطن أمك وكيف تحولت إلى منارة بعد مغادرتك تلك الزنزانة المظلمة ، وهل كان مستحيلا أن تلد حواء حية من الحيات أو قرداً من القرود عوضاً عن آدمي.

فليس ثمة شك بأن هذا الكون في حركة متواصلة بموجب نظام متداخل منسق والنظام الذي يتحكم في الكون إنما هو نظام التكوين.

وتفكر لهنيهة في أن الله تعالى مثلاً لو مد خيط الليل وربطه بموعد يوم القيامة فلا حول ولا قوة لتفادي هذا الامتداد اللامتناهي إلا بالله العلي العظيم. وكذلك لو مد الله تعالى النهار إلى يوم القيامة فهل يمكن لأحد غير الله تعالى أن يغشيك النوم الهادي ويغمرك بلباس الليل.

وإن الأرض المجدبة الجرداء القاحلة المحروقة إذا هبطت عليها الأمطار فكيف تنبت فيها الكروم والنخيل مختلفاً ألوانها وروائحها وطعمها ، ومن كمال الخالق سبحانه وتعالى  بأن ماء واحداً يتسرب إلى قوالب عديدة من الأرض ويتحول ألواناً وأشكالاً وطعماً مختلفة .

وهلا خطرت علينا فكرة : لماذا لا ينبت المانجو على شجيرات التوت، ولم لا ينبت الخوخ على أشجار المانجو ولم لا تحمل أشجار الخوخ ثمرة أخرى؟ولماذا تلتهم الظلمة الأرض ليلاً بالرغم من أن دروب التبانة تحوي آلاف الشموس؟

إن علم العلماء ينحصر في أن الأرض تدور حول الشمس وأن الشمس كتلة ملتهبة من النار. ولكنهم لا يضيفون شيئاً من المعلومات عمن يتحكم في دوران الدروب المذكورة ، كما ونرغب أن نعرف لماذا تباغت المنية عالماً جليلا عظيماً ؟ وكيف يتعرض أخصائي زرع القلب للجلطة القلبية ؟

فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ

ولقد جاء في كلام أيوب عليه السلام كما في صحيفته من الكتاب المقدس: فمن جعل للمطر مسيلا وللصواعق مذهباً ، وهل تستطيع أن تنادي بالسحب أن تمطر عليك وأن تستنزل البرق؟ومن أين تأتي القلب الحكمة والإدراك ، ومن خول الظباء حرية التنقل؟


 سورة الملك : الآية 3

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: